ابن الجوزي

272

صيد الخاطر

عن مسألة في الفقه ولا يدري ، وليس ما شغله عن ذلك إلا كثرة الطرق في روايات القراءات « 1 » . ومنهم من يتشاغل بالنحو وعلله فحسب ، ومنهم من يتشاغل باللغة فحسب ، ومنهم من يكتب الحديث ويكثر ولا ينظر في فهم ما كتب . وقد رأينا في مشايخنا المحدثين من كان يسأل عن مسألة في الصلاة فلا يدري ما يقول ، وكذلك القراء ، وكذلك أهل اللغة والنحو . وحدثني عبد الرحمن بن عيسى الفقيه قال حدثني ابن المنصوري قال حضرنا مع أبي محمد بن الخشاب ، وكان امام الناس في النحو واللغة ، فتذاكروا الفقه ، فقال : سلوني عما شئتم . فقال له رجل : ان قيل لنا رفع اليدين في الصلاة ما هو فما ذا نقول ؟ فقال : هو ركن ! فدهشت الجماعة من قلة فقهه . وإنما ينبغي أن يأخذ من كل علم طرفا ثم يهتم بالفقه ، ثم ينظر في مقصود العلوم ، وهو المعاملة للّه سبحانه والمعرفة به والحب له وما أبله من يقطع عمره في معرفة علم النجوم ، وانما ينبغي أن يعرف من ذلك اليسير والمنازل لعلم الأوقات فأما النظر فيما يدعى أنه القضاء والحكم فجهل محض ، لأنه لا سبيل إلى علم ذلك حقيقة ، وقد جرب فبان جهل مدعيه ، وقد تقع الإصابة في وقت . وعلى تقدير الإصابة لا فائدة فيه إلا تعجيل الغم . فإن قال قائل : يمكن دفع ذلك . فقد سلم أنه لا حقيقة له . وأبله من هؤلاء من يتشاغل بعلم الكيميا « 2 » فإنه هذيان فارغ . وإذا كان لا يتصور قلب الذهب نحاسا لم يتصور قلب النحاس ذهبا . فإنما فاعل هذا مستحل للتدليس على الناس في النقود ، هذا إذا صح له مراده . وينبغي لطالب العلم أن يصحح قصده ، إذ فقد الاخلاص يمنع قبول الاعمال . وليجتهد في مجالسة العلماء ، والنظر في الأقوال المختلفة وتحصيل الكتب ، فلا يخلو كتاب من فائدة « 3 » ، وليجعل همته

--> ( 1 ) أما قراءة القرآن بأنغام الغناء ، وأخذ الأجرة عليه ، فكلاهما لا يجوز . ( 2 ) الكيمياء في اصطلاحهم السعي لاكتشاف الإكسير الذي يحول المعادن كلها إلى ذهب . ( 3 ) كما أن كثيرا من الكتب لا تخلو من مضرة ، وانما يقصد المؤلف رحمه اللّه كتب الدين لا أمثال الكتب التي يقبل عليها الشباب اليوم .